نذير حمدان

58

حكمة القرآن والحضارة

ومن ذاتية النبي وتجاربه ، والإلهام العام نابع من ذاتية صاحبها ومن تجاربه التي قد تتعرض للخطأ والنقص ، أو للصواب وللاكتمال ، بحيث قد يكون ثمة الأصح والأكمل . ومشكلة الإلهام العام هي في تجاوز صاحبه حدوده البشرية إلى حدود النبوّات فيدّعونها أو الإلهيات فيتطاولون عليها ، ولكن الإلهام العام الحق هو في الإبداع المتفوق في المقاييس البشرية العادية حيث يغذي صاحبه بعطاءات النبوة والألوهية الحقة . وهكذا يمكن أن يزداد عدد الملهمين والحكماء وعطاءاتهم المتفوقة ، ويتضاءل أو ينعدم عدد المتنبئين والمشعوذين والمتألهين في حضارة الإسلام . ثانيا : الحكمة والنبوة : ( كل نبي حكيم وليس كل حكيم نبيا ) في النبوة حكمة وإلّا لما كانت نبوة ، والنبي حكيم وإلّا لما أوتي حكمة النبوة ولما كان نبيا ، وحكمة النبوة ذات جانبين : في تلبية حاجات الناس وافتقارهم إلى صلاحها وإصلاحها ، وفي المضمون الحكيم القادر على هذه التلبية الحاجية في الوجود الإنساني ، ثم في الأداء الحكيم الذي يشدّ الناس إليها فيغيرهم من حال إلى حال ومن وضع إلى آخر . وهي حكمة فطرية اختار اللّه رسوله لها ، لا يمكن أن تكون لإنسان آخر وتظهر في القول والفعل والعلاقات ، وحكمة مكتسبة عن طريق التعلم والوحي الإلهي ، وإكسابية عن طريق البيان والتبليغ وتعليمها للناس ، وفي هذا التركيب الحكمي المتلاحم المتشابك يستحق النبي به حكمة اللّه التي تجد موئلها ومستقرّها عند النبي الحكيم . وهو تركيب تتضاءل أمامه الفلسفة مهما تشعبت أبعادها وامتدت آفاقها وتعمقت جذورها وأصولها ، وإذا أضفنا إلى ذلك معية اللّه للنّبي ومصدريته للحكمة فإن تحرر النبوة من تخبط الضلال ومتاهات الفساد تجعله في أكمل كمالات الحكمة وأشرف شرفها . وكان أبو سليمان ( المنطقي السجستاني - محمد بن بهرام - ) يقول : . . . صاحب الشريعة مبعوث ، وصاحب الفلسفة مبعوث إليه ، وأحدهما مخصوص بالوحي ، والآخر مخصوص ببحثه ، والأول مكفيّ ، والثاني : كادح ، وهذا يقول : أمرت وعلّمت ، وقيل لي ، وما أقول شيئا من تلقاء نفسي ، وهذا يقول : رأيت ونظرت واستحسنت واستقبحت ، وهذا يقول :